سيد محمد طنطاوي
167
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ما يشير إليه لفظ « النصب » والألم الكثير الذي حل بجسده بسبب الأمراض والأسقام ، والعلل ، وهو ما يشير إليه لفظ « العذاب » . . ونسب ما مسه من نصب وعذاب إلى الشيطان تأدبا منه مع ربه - عز وجل - حيث أبى أن ينسب الشر إليه - سبحانه - ، وإن كان الكل من خلق اللَّه - تعالى - . وفي هذا النداء من أيوب لربه ، أسمى ألوان الأدب والإجلال ، إذ اكتفى في تضرعه بشرح حاله دون أن يزيد على ذلك ، ودون أن يقترح على خالقه - عز وجل - شيئا معينا ، أو يطلب شيئا معينا . قال صاحب الكشاف : ألطف أيوب - عليه السلام - في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة . . ولم يصرح بالمطلوب . ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت له : يا أمير المؤمنين ، مشت جرذان - أي فئران - بيتي على العصا ! ! فقال لها : ألطفت في السؤال ، لا جرم لأجعلنها تثب وثب الفهود ، وملأ بيتها حبا « 1 » . . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - في سورة الأنبياء : وأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّه أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . وقد ذكر بعض المفسرين هنا قصصا وأقوالا في غاية السقوط والفساد ، حيث ذكروا أن أيوب - عليه السلام - مرض زمنا طويلا ، وأن الديدان تناثرت من جسده ، وأن لحمه قد تمزق « 2 » . وهذه كلها أقوال باطلة ، لأن اللَّه - تعالى - عصم أنبياءه من الأمراض المنفرة ، التي تؤدى إلى ابتعاد الناس عنهم ، سواء أكانت أمراضا جسدية أم عصبية أم نفسية . . والذي يجب اعتقاده أن اللَّه - تعالى - قد ابتلى عبده أيوب ببعض الأمراض التي لا تتنافى مع منصب النبوة ، وقد صبر أيوب على ذلك حتى ضرب به المثل في الصبر ، فكانت عاقبة صبره أن رفع اللَّه - تعالى - عنه الضر والبلاء ، وأعطاه من فضله الكثير من نعمه . وقوله - سبحانه - : * ( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ) * حكاية لما قيل له بعد ندائه لربه ، أو مقول لقول محذوف معطوف على قوله * ( نادى ) * .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 130 . ( 2 ) راجع على سبيل المثال تفسير الآلوسي ج 23 ص 306 ، والقرطبي ج 15 ص 208 .